جلال الدين السيوطي

569

الإتقان في علوم القرآن

وبالإشارة : لتمييزه أكمل تمييز بإحضاره في ذهن السامع حسا ، نحو : هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [ لقمان : 11 ] . وللتعريض بغباوة السامع : حتى إنه لا يتميّز له الشيء إلّا بإشارة الحسّ ، وهذه الآية تصلح لذلك . ولبيان حاله في القرب والبعد ، فيؤتى في الأول بنحو : هذا ، وفي الثاني بنحو : ذلك وأولئك . ولقصد تحقيره بالقرب ، كقول الكفار : أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [ الأنبياء : 36 ] . أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [ الفرقان : 41 ] . ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [ البقرة : 26 ] . وكقوله تعالى : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ [ العنكبوت : 64 ] . ولقصد تعظيمه بالبعد ، نحو : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 2 ] ذهابا إلى بعد درجته . وللتنبيه . بعد ذكر المشار إليه بأوصاف قبله . على أنه جدير بما يرد بعده من أجلها ، نحو : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) [ البقرة : 5 ] . وبالموصولية ، لكراهة ذكره بخاصّ اسمه ، إما سترا عليه ، أو إهانة له أو لغير ذلك ، فيؤتى بالّذي ونحوها موصولة بما صدر منه من فعل أو قول ، نحو : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما [ الأحقاف : 17 ] . وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها [ يوسف : 23 ] . وقد يكون لإرادة العموم ، نحو : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [ فصلت : 30 ] الآية . وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ [ غافر : 60 ] . وللاختصار ، نحو : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا [ الأحزاب : 69 ] أي : قولهم : إنه آدر ؛ إذ لو عدّد أسماء القائلين لطال ؛ وليس للعموم ؛ لأنّ بني إسرائيل كلّهم لم يقولوا في حقّه ذلك . وبالألف واللام ، للإشارة إلى معهود خارجيّ أو ذهنيّ أو حضوريّ . وللاستغراق حقيقة أو مجازا ، أو لتعريف الماهية ؛ وقد مرّت أمثلتها في نوع الأدوات . وبالإضافة ، لكونها أخصر طريق ، ولتعظيم المضاف ، نحو : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] . وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] أي : الأصفياء في الآيتين ، كما قاله ابن عباس وغيره « 1 » .

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 10 / 617 ، وتفسير البغوي 4 / 72 .